الشيخ جواد بن عباس الكربلائي

108

الأنوار الساطعة في شرح زيارة الجامعة

يكون في الخلق ضعفاء بذاتهم وصفاتهم وإدراكاتهم وساير شؤونهم ، ومع ذلك فهم محتاجون في الكمال إلى ما به وصولهم إلى الكمال ، فلا محالة حينئذ اقتضت الحكمة الإلهية خلق محمدا وأهل بيته المعصومين عليهم السّلام وجعلهم خزائن لتلك الكمالات بأسبابها بحقيقة ما هم عليهم السّلام أهله . فاقتضت الحكمة حينئذ أن يكونوا عليهم السّلام خزائن رحمته ومحبته ، وأبواب فيضه ومدده ، ونواب إفاضاته ، وحفظة آلائه ونعمه ، وحملة آثار وجوده وكرمه إلى ما شاء من جميع خلقه بأنواعهم وأقسامهم ، واقتضت حكمته للزوم حفظ نظام الخلق المشيء وجوده على النحو الأتم الأكمل ، معارضة أن لا يكون له سبحانه طريق ، ولا باب يفيض عنده عطاياه وإمداداته غيرهم عليهم السّلام فهم حينئذ صراطه تعالى في علمه تعالى بخلقه كما قال أمير المؤمنين عليه السّلام : " أنا عين اللَّه ورؤيته تعالى لهم على ما هم عليه وإمداده تعالى ، بل وقيوميته تعالى إياهم ، وجميع ما بهم منه تعالى من خلق ورزق وموت وحياة " . ثم إنهم عليهم السّلام لما كانوا عالمين بعلمه ، وقادرين بقدرته ، ومسلطين بالسلطة الإلهية على خلقه تعالى ، فلا محالة هم عليهم السّلام عالمون بحقائق الوحي الإلهي وبحقائق الموجودات ، فهم حينئذ مترجمون لكلامه بنحو يبيّنون معاني الوحي للخلق لكل بحسب فهمه وإدراكه ، كما لا يخفى وسيجئ توضيحه إن شاء اللَّه ، فهم مترجمون للخلق الشرعيات الإلهية ، والأمور التكوينية بلوازمهما وملزوماتهما ، فبهم وبحقائقهم خلق اللَّه الخلق ، وألزمهم التشريع والتكليف من العقائد والأعمال ، وبهم خلق الموجودات بمقاديرها وكيفياتها ورتبها وأمكنتها وأوقاتها وآجالها وما يلزمها . والحاصل : أنه تعالى تقضى بهم قضيته كما تقدم من قول الصادق عليه السّلام وكما ورد : إرادة الرب في مقادير أموره تهبط إليكم ، وتصدر من بيوتكم ، والصادر عما فصل من أحكام العباد ، هذا كله بالنسبة إلى ما يصل من اللَّه إلى الخلق مطلقا ، وأما